ففي ليلة الاثنين العاشر من يوليو، كنت نائما بمفردي في غرفة النوم الموجودة بالطابق العلوي من القصر الرئاسي، في حين كانت مريم في سفر إلى داكار على رأس وفد من النساء الموريتانيات للمشاركة في مؤتمر للحقوقيات. وكانت نفيسة ترعى أطفالنا الثلاثة وهم نيام في غرفتيهم الكائنتين في نفس الطابق العلوي الوحيد بالقصر. وفي حدود الساعة الرابعة صباحا، استيقظت على أصوات عدد من محركات السيارات تتوقف أمام المنزل قرب سارية العلم. وقد استنتجت من هذا الحضور الغريب أن الأمر يتعلق بغاصبين. وعندها نهضت وارتديت الملابس الوطنية التقليدية. وما هي إلا لحظات حتى دق باب غرفتي، ففتحت فإذا أمامي مرافقي العسكري الملازم الأول مولاي هاشم ومعه شاب آخر في نفس الرتبة لا اعرفه. وقد علمت فيما بعد انه الملازم الأول المختار ولد السالك اخو الرائد جدو ولد السالك. ويرافق هذين الضابطين ثلاثة جنود مسلحين. وقد خاطبني الملازم الأول مولاي مؤديا تحية عسكرية خاطفة، ولا إرادية فيما يبدوا، قائلا بتلعثم وعصبية شابها أدب " السيد الرئيس، لقد سحب منك الجيش ثقته فلتتفضلوا بمرافقتنا" وفي لحظة انتابتني رغبة عابرة للشروع في نقاشات قانونية لتوضيح أن الجيش لا يستطيع انتزاع ما ليملك، وأن عليه أن يلتزم حدود الشرعية القانونية. ولكني عدلت تلقائيا عن الفكرة التي خطرت بي ولم أنبس ببنتشفة. وتابعت خطا زواري حتى هبطنا إلى الطابق الأرضي حيث كانت سيارة لا ندروفير في انتظارنا ملاصقة لباب الصحن. وأثناء صعودي إلى السيارة طلبت من مرافقي أن يذهبوا بأطفالي، بعد استيقاظهم إلى منزل أختي أمامه وابن خالي احمدو ولد محمود إبراهيم.
ثم ركبت إلى جانب السائق الذي ارتعش بقوة لدرجة أنه لم يتمكن من تشغيل المحرك رغم ما أحدثته رزمة مفاتيحه من ضوضاء، ولذا طلبت منه أن يهدأ واستطاع في النهاية أن يشغل المحرك وينطلق. وكان الملازم الأول المختار يجلس خلفي ومعه جنديان، أما الملازم الأول مولاي فكان أمامنا في سيارة لا ندروفير تتقدم الركب وتبعتنا مجموعة من سيارات لا ندروفير. وقد سارت القافلة عدة كيلومترات على طريق الأمل قبل أن تحول اتجاهها إلى مقر الهندسة العسكرية المعروف اختصارا ب "جيني". وفي الطريق انحنى الملازم الأول المختار نحوي قائلا في أدب وتأثر باد من الصوت "السيد الرئيس اطمئنوا فلن يصبكم أي مكروه" فأجبت قائلا: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". يحرس المكتب جنديان ملثمان يقفان طورا ويمشيان طورا آخر أمام الباب. وعند بزوغ الفجر طلبت وضوء فأخضره أحد الجنود في إناء ومعه حوض بلاستيكي ومنشفة. ثم قدم لي غطاء نظيفا يحل محل سجادة للصلاة. وبعد أن أديت الصلاة، اقترح علي بالإيماء أن أستريح على سرير من أسرّة المعسكر وضع في زاوية من المكتب. والغريب أن هذا الجندي المهذب في سلوكه لم يسألني ولم يجبني إلا بالإشارة، فلماذا؟ لا ادري. وعلى كل فقد أجبته نطقا أني لا ارغب في الإضجاع، ولا اشعر بالنصب. ولذا أفضل البقاء جالسا في الكرسي أفكر في هشاشة كل ما هو بشري وضعفه.
وهكذا حملت خرب الصحراء المرحوم الرئيس المختار ولد داداه فجر العاشر من يوليو 1978 من هرم السلطة في البلاد إلى زنزانة في مقر الهندسة العسكرية سابقا والمنطقة العسكرية السادسة حاليا في توجنين، حيث أمضى أياما بالقرب من فبر زعيم الباليساريو الولي مصطفى السيد *الذي دفن يوم 09 يونيو 1976م داخل نفس الثكنة بعد مقتلة في الهجوم الشهير على انواكشوط.
المصدر موريتانيا المعاصرة